ابن الحسن النباهي الأندلسي

164

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الأهواء . وأوّل يوم قعد فيه للحكم ، تقدّم إليه رجلان في الطلب بدين ترتّب لأحدهما قبل الآخر ؛ وأقرّ المطلوب ببقائه في ذمّته ، وزعم أنه في الوقت غير قادر على أدائه ؛ ولم تقم له بيّنة على صحّة دعواه ، ولا حضره حميل به ؛ فتوجّه عليه السجن . فحين شاهد أسباب ذلك ، قال يخاطب القاضي : « أصلحك اللّه ! أيجمل بك ، ويحسن عندك استفتاح عملك بسجن مثلي من الضعفاء ؟ ولي صبية أصاغر لا كاسب لهم ، ولا كافل غيري ، فإن حبستني عنهم ، لم يبعد تلفهم جوعا وعطشا ! فارفق بساحتي ، وانظر لحالتي ! » فأمر القاضي بإحضار مقدار العدد المطلوب من مال نفسه ، وأذن في دفعه لمطالبه ، وخلّى سبيل الغريم يمضي لشأنه . وكان قد أصاب الماشية بكورة ريّة من الغضب والنهب ، أيام فتنة الخلاف بها ، ما صار داعية لتغلّب الحرام عليها ؛ فردّ شهادة كلّ من ثبت فيه لديه أنه أكل من ذلك اللحم المغصوب ؛ وهو عالم بعينه ، سواء كان مشتريا له من الغاصب أو أكله دون عوض . وردّ شهادة الولد إذا كانت مع والده ؛ فاشتدّ في أحواله . وفي أثناء ذلك ، سيق له رجل ، شهدت البيّنة بأنّه وجد في خربة بحذاء مقتول ؛ وقرّبه . وسأل الرجل حين أعذر له ؛ فذكر أنّه كان مختارا عليها لمنزله ؛ فرام أولياء الدم الأخذ لهم بالقسامة في المسألة ، على ما رواه ابن الحكم في مثل النازلة ، ورواه ابن وهب عن مالك ؛ فأجرى النظر في القضيّة ، وتوقّف عن الفصل ، وعقد النيّة على ترك الولاية ما بقي من مدّة حياته ، واستعفى على الفور من الحكم بين الناس . وقد كان القلق وقع به من أولي الأمر ، فأعفي على الأثر ، فكانت مدّة ولايته القضاء نحو شهر . وهو - أعظم اللّه أجره ! ممّن أصيب في ذاته وماله ، بسبب إنكاره على إبراهيم الفزاريّ ، وليّ بني أشقيلوله أيّام ثورتهم بريّة ، وامتعاضه لما أظهره لهم من البدعة وادّعاء النبوّة ، وعند ذلك فرّ من مالقة أبو جعفر بن الزّبير ، وأتبع ليقتل ؛ فأفلت ، ولاذ بأمير المسلمين ، السلطان ، المؤيّد المنصور ، أبي عبد اللّه المدعوّ بالفقيه - رحمه اللّه وأرضاه - فحاول على الفزاريّ ، حتّى تحصّل في حكمه ، وأمر بقتله وصلبه ؛ فقتل بغرناطة على كفره ، هو وبعض أصحابه . وقد أشار إلى ما نبّهنا عليه الشيخ القاضي الرواية المحدّث ، الوزير المشاور ، أبو عامر بن عبد اللّه بن قاضي الجماعة أبي عامر بن ربيع ، في كتابه المسمّى ب « تنظيم الدرّ في ذكر علماء الدّهر » .